عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
287
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ حكم نكاح البنت من الزنا ] « 1 » قال الشّافعيّ - رضي اللّه عنه - : البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني .
--> ( 1 ) اختلف الفقهاء في البنت من الزنا هل تحرم على أبيها أو لا تحرم ؟ فذهب جمهور الفقهاء منهم الأئمة الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى القول بأنه يحرم على الرجل أن يتزوج ابنته المتخلقة من مائه ، وقالوا : إن نكاح البنت من الزنا من الأنكحة الفاسدة ؛ لأنهم يشترطون في صحة النكاح ألّا تكون المرأة متخلقة من ماء الزوج ، مع قطع النظر عن كونها من نكاح أو زنا . وذهب الشافعية : إلى القول بأن بنت الزنا لا تحرم على أبيها ، وأنه إذا عقد عليها ، كان النكاح صحيحا ، وإن قالوا بكراهة نكاحها ؛ للخروج من الخلاف ، ونص عبارته في الأم : « وأكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولده من الزنا ، فإن نكح لم أفسخه ؛ لأنه ليس ابنا في حكم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » واختلف أصحابه في سبب الكراهة على وجهين : فقال أبو إسحاق المروزي : لجواز أن تكون مخلوقة من مائه ، وعلى هذا لو تحقق خلقها من مائة ، حرمت ، وهذا غير ظاهر ؛ لأن الفرض أنها بنته من الزنا . وقال أبو حامد : يكره للخلاف ؛ كما كره القصر في أقل من ثلاث مراحل ، وهذا هو الظاهر يرشد إليه قول الإمام : « وأكره له في الورع » . وعلى هذا لو تحقق خلقها من مائه بأن حبست عن الوطء إلى أن ولدت لم تحرم . قال شهاب الدين الرملي : والمخلوقة من ماء زناه تحل له ؛ لأنها أجنبية عنه ؛ إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب ، وإن أخبره صادق كعيسى صلّى اللّه عليه وسلّم وقت نزوله بأنها من مائه ؛ لأن الشرع قطع نسبها عنه ، فلا نظر ؛ لكونها من ماء سفاح ، نعم ، يكره له نكاحها خروجا من الخلاف . واستدل الشافعية بما يأتي : أولا : قالوا إن بنت الزنا أجنبية عن الزاني ؛ إذ لو كانت بنتا للزاني ، لثبت لها الميراث وغيره من أحكام النسب من ثبوت الولاية عليها ، ووجوب حضانتها ونفقتها ، فلما لم يثبت شيء من ذلك - علمنا انتفاء البنتية وأنها أجنبية ، فلا تدخل في آية التحريم ، وتبقى داخلة في قوله تعالى : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ . ثانيا : تمسكوا بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » درجة الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر أن الولد للفراش ، وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش فلو كانت بنت الزنا بنتا للزاني ، لبطل الحصر ، وهو منتف لوقوعه في خبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . قال الماوردي : وإنما جاز له أن يتزوجها لثلاثة أمور : « أحدها » لانتفاء نسبها عنه ، كالأجانب . « وثانيها » لانتفاء أحكام النسب بينهما من الميراث والنفقة والقصاص . وثالثها : « لإباحتها لأخيه » ، ولو حرمت عليه لأنه الأب لحرمت على أخيه ، لأنه العم . وقد نوقش دليل الشافعية الأول : بأن قولكم : إن بنت الزنا أجنبية عن الزاني غير صحيح ، فإنها مخلوقة من مائه ؛ فهي كالبنت في النكاح ؛ إذ لا معنى لكونها بنته ، إلا لأنها مخلوقة من مائه ، وقولكم : لو كانت بنته ، لثبت لها الميراث وغيره لا يفيد ، فإن تخلّف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتا له ؛ ومما يؤيد ذلك : أنه إذا كان ولده كافرا لا يرثه ومع ذلك لا يمكن أن يقال : إنه أجنبي عنه ، فكذلك الحال في البنت من الزنا . ويقال لهم في الدليل الثاني : إن قولكم : إن الحديث يقتضي حصر النسب في الفراش مسلم ، ولكن نقول لكم : إن النسب الذي اقتضى الحديث حصره في الفراش هو النسب الشرعي الذي تترتب عليه -